1. مقدمة
أصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة المرسوم بقانون اتحادي رقم 25 لسنة 2025 (“القانون الجديد”)، الذي ينص على قانون جديد للمعاملات المدنية ويلغي القانون الاتحادي رقم 5 لسنة 1985 (“القانون القديم”) بالكامل. ويمثل هذا القانون أهم إصلاح للقانون المدني في دولة الإمارات العربية المتحدة منذ أكثر من أربعة عقود. ومن أبرز الابتكارات التي يتضمنها القانون الجديد تقنين حسن النية قبل التعاقد بشكل صريح، بما في ذلك تحديد التزامات الإفصاح بوضوح والمسؤولية المدنية القانونية عن المفاوضات التي تتم بسوء نية، وهي مسائل لم تكن تُعالج في النظام السابق إلا بشكل غير مباشر من خلال مبادئ عامة وتطورات قضائية.
ولأول مرة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ينظم القانون بشكل صريح كيفية تصرف الأطراف أثناء مفاوضات العقود، ويفرض واجبات قانونية لحسن النية والإفصاح، ويُقر المسؤولية عن ممارسات التفاوض التي تتم بسوء نية. تُغيّر هذه التغييرات جذريًا كيفية التفاوض على العقود وتقييمها والتقاضي بشأنها في دولة الإمارات العربية المتحدة. تتناول هذه المقالة كيف يُعيد قانون المعاملات المدنية الجديد صياغة مفاوضات العقود، ويُواءم القانون المحلي مع معايير القانون المدني الدولي، ويُرسّخ مبدأً مُنظّمًا للمسؤولية قبل التعاقد مع الحفاظ على حرية التعاقد.
2. الوضع القانوني القديم مقابل الإطار القانوني الجديد
بموجب القانون المدني المُلغى، كان مبدأ حسن النية محصورًا بشكل شبه حصري في مرحلة تنفيذ العقود. وبحسب القانون القديم، “يجب تنفيذ العقد وفقًا لمضمونه وبطريقة تتفق مع متطلبات حسن النية”. لم يكن هذا الحكم يُطبّق إلا بعد إبرام عقد مُلزم. ولم يكن يُنظّم المفاوضات، أو يفرض التزامات الإفصاح، أو يُقرّ بالمسؤولية عن المفاوضات الفاشلة أو التعسفية. ونتيجةً لذلك، كان بإمكان الأطراف عمومًا إنهاء المفاوضات، حتى المتقدمة منها، فجأةً دون مسؤولية قانونية، ما لم يتم إثبات الاحتيال بموجب مبادئ المسؤولية التقصيرية العامة.
مع ذلك، يُرسي القانون الجديد نظامًا صريحًا ومنظمًا لما قبل التعاقد من خلال المواد 119-122 والمادة 138. وتنص المادة 121(1) من القانون الجديد على ما يلي: “يجب أن يكون اقتراح المفاوضات ما قبل التعاقدية، وإدارتها، وإنهاؤها متوافقًا مع متطلبات حسن النية”.
ويمثل هذا أول اعتراف قانوني صريح في دولة الإمارات العربية المتحدة بأن حسن النية واجب قبل إبرام العقد. ويتعين على الأطراف التصرف بنزاهة ومسؤولية عند الدخول في المفاوضات أو الاستمرار فيها أو إنهائها، مما يُرسي مبدأً قانونيًا مدنيًا يُعرف باسم “الخطأ في التعاقد”. وتشمل السلوكيات التي قد تُرتب المسؤولية ما يلي:
• الدخول في مفاوضات دون نية حقيقية للتعاقد.
• إطالة أمد المفاوضات بشكل استراتيجي لاستبعاد المنافسين.
• إنهاء المفاوضات المتقدمة فجأة بعد حث الطرف الآخر على الاعتماد عليها.
3. الحفاظ على حرية التعاقد
تضمن المادة 121(2) من القانون الجديد الاستقلالية التجارية. ينص القانون على أنه “إذا تم التفاوض على عقد، فإن المفاوضات لا تُنشئ التزامًا على الأطراف بإبرام هذا العقد”. ويؤكد هذا النص أن حسن النية لا يعني الإكراه على التعاقد. ويبقى للأطراف الحق في الانسحاب لأسباب تجارية مشروعة، شريطة ألا يكون هذا الانسحاب تعسفيًا أو خادعًا أو تلاعبًا.
4. المسؤولية عن المفاوضات بسوء النية
تنص المادة 121 (3) من القانون الجديد على ما يلي: “كل من تفاوض أو أنهى مفاوضات بسوء نية يكون مسؤولاً عن تعويض الطرف الآخر عن الضرر الفعلي الذي لحق به”. ويُعد هذا ابتكارًا قانونيًا هامًا. فللمرة الأولى، يُقر القانون الإماراتي بأن المسؤولية قد تنشأ حتى في غياب عقد مُبرم، شريطة إثبات سوء النية والسببية والضرر الفعلي.
ومن المرجح أن تشمل التعويضات المستحقة التكاليف القانونية ونفقات بذل العناية الواجبة وخسائر الاعتماد. مع ذلك، يحدد القانون صراحةً نطاق التعويضات: “لا يشمل التعويض الفوائد المتوقعة من العقد الذي لم يُبرم [الأرباح الفائتة]، أو الفرص الضائعة لتحقيق هذه الفوائد، ما لم يُتفق على خلاف ذلك.”
5. واجب الإفصاح القانوني
تحوّل المادة 122 من القانون الجديد ما كان سابقًا التزامًا أخلاقيًا ضمنيًا إلى متطلب قانوني إلزامي. تنص المادتان 122(1) و122(2) على وجوب إفصاح أي طرف على علم بمعلومات “حاسمة” لموافقة الطرف الآخر عنها. وينطبق هذا في حال افتراض جهل الطرف الآخر أو في حال وضع هذا الطرف ثقته في الطرف المتفاوض.
يجب على الأطراف الإفصاح عن المعلومات المتعلقة بما يلي:
• العقد المراد إبرامه.
• الظروف والشروط المحيطة بالعملية التعاقدية.
• الإعسار المالي، أو القيود التنظيمية، أو العجز القانوني.
تنص المادة 122(4) بشكل أساسي على أنه لا يجوز للأطراف الاتفاق على تقييد أو التنازل عن أو استبعاد الالتزام بالإفصاح عن المعلومات الجوهرية. وأي بند يحاول القيام بذلك يُعد باطلاً ولاغياً. ويُخول الإخلال بهذا الواجب الطرف المتضرر طلب فسخ العقد.
6. إدخال الاتفاقيات الإطارية
تعترف المادة 138 من القانون الجديد صراحةً بـ”الاتفاقيات الإطارية”، أي العقود التي يحدد فيها الأطراف الشروط الأساسية التي تحكم العقود المستقبلية. وهذا يُقنن الهياكل التجارية الشائعة مثل اتفاقيات الخدمات الرئيسية، وأطر التوزيع، وعقود التوريد عند الطلب.
بموجب المادة 138، تُعتبر شروط الاتفاقية الإطارية قانونًا جزءًا من العقود اللاحقة، مما يضمن الاتساق القانوني وقابلية الإنفاذ عبر العلاقات التجارية طويلة الأجل.
7. تعزيز حسن النية في تفسير العقود
تعزز المادة 120(11) من القانون الجديد هذا النظام من خلال النص على ما يلي: “يُفسر العقد بطريقة تحقق العدالة وحسن النية بين الأطراف”. يُتيح هذا للمحاكم النظر في تاريخ المفاوضات، ومسودات المراسلات، وسلوك الاعتماد عند حل النزاعات التعاقدية، بما يضمن عدم تجاوز التفسير الحرفي الصارم لمتطلبات الصدق والثقة.
8. ملخص الاختلافات الرئيسية
| المسألة | القانون القديم (رقم 5 لسنة 1985) | القانون الجديد (رقم 25 لسنة 2025) |
| حسن النية قبل التعاقد | غير مُنظَّم | إلزامي بموجب المادة 121(1) |
| واجب الإفصاح | لا يوجد نص صريح | صريح وإلزامي بموجب المادة 122 |
| المسؤولية عن المفاوضات | غير متاح صراحةً | متاح بموجب المادة 121(3) |
| استرداد الأرباح الفائتة | غير مُطبَّق | مستثنى صراحةً (المادة 121(3)) |
| الاتفاقيات الإطارية | غير مُعترف به | مُقنّن رسميًا بموجب المادة 138 |
9.منظور مقارن: القانون البريطاني
على عكس المادة 121 الجديدة في الإمارات العربية المتحدة، لا يعترف القانون الإنجليزي عمومًا بواجب حسن النية في المفاوضات. يحق للأطراف الانسحاب في أي مرحلة ما لم يكونوا ملزمين باتفاقية حصرية أو اتفاقية حظر (والفورد ضد مايلز [1992]). يتوافق نهج الإمارات العربية المتحدة بشكل أوثق مع أنظمة القانون المدني، ويمثل نموذجًا أكثر تدخلًا وقائمًا على الإنصاف من الموقف التقليدي للقانون العام.
10. الآثار العملية والتوصيات
يجب على الأطراف الآن توثيق نوايا التفاوض، وتجنب التصريحات المضللة أو الصمت الاستراتيجي، والاستعداد لتبرير قرارات الإنهاء للحد من مخاطر دعاوى سوء النية. ينبغي على الشركات العاملة في الإمارات العربية المتحدة ما يلي:
• وضع بروتوكولات تفاوض داخلية.
• استخدام إخلاء مسؤولية مكتوب في بنود الاتفاق وشروطها لتوضيح الطبيعة غير الملزمة للمفاوضات.
• تسجيل مراحل المفاوضات ومحاضرها.
• تدريب فرق الصفقات على التزامات الإفصاح الإلزامي بموجب المادة 122.
11. الخلاصة
يمثل إدخال المواد 121 و122 و138 بموجب المرسوم بقانون اتحادي رقم 25 لسنة 2025 أحد أهم التطورات التحويلية في قانون العقود بدولة الإمارات العربية المتحدة. فمن خلال تقنين حسن النية قبل التعاقد، والتزامات الإفصاح الإلزامي، والاتفاقيات الإطارية، قامت دولة الإمارات العربية المتحدة بمواءمة نظامها القانوني المدني مع أفضل الممارسات الدولية مع الحفاظ على الاستقلالية التجارية. وتعزز هذه الإصلاحات بشكل ملموس اليقين القانوني والعدالة وثقة المستثمرين، وستُعيد تشكيل كيفية التفاوض على العقود والتقاضي بشأنها في دولة الإمارات العربية المتحدة اعتبارًا من 1 يونيو 2026 فصاعدًا.
في حال احتجتم إلى أي توجيه بشأن المرسوم بقانون اتحادي رقم 25 لسنة 2025، أو قانون المعاملات المدنية الجديد، أو آثاره العملية على مؤسستكم، يُرجى التواصل مع مكتب إنجي نبيل للمحاماة والاستشارات القانونية عبر البريد الإلكتروني mtg@mtglegal.com. يسرّ فريقنا تقييم تأثير هذه التغييرات الجذرية على عملياتكم، ودعمكم في تحديد الخطوات التالية المناسبة لتعزيز هياكلكم التعاقدية والمؤسسية وتأمينها للمستقبل.
المؤلفون: بينو كارتيكيان، زميل معهد المحكمين المعتمدين
هارشيل ماهيشواري



